المخدرات : سلاح السياسة ووصفة الفشل … من حروب الأفيون إلى أيادي القاصرين

المخدرات : سلاح السياسة ووصفة الفشل … من حروب الأفيون إلى أيادي القاصرين

منذ شهر تقريبًا، أعلنت السلطات الجزائرية عن تفكيك واحدة من أخطر شبكات تهريب المخدرات في تاريخها. شبكة من خمسين شخصاً، أوقف منهم خمسة وعشرون، بينهم مواطن موريتاني، فيما لا يزال الخمسة والعشرون الآخرون فارّين بجنسيات جزائرية ومغربية وهولندية. لكن ما يمنح هذه القضية ثقلها ليس العدد ولا الكميات المحجوزة فحسب، بل البنية العابرة للحدود التي كشفت عنها التحقيقات.

 

وفق البيان الأمني، القيادة كانت تُدار من الأراضي المغربية على يد بارونات مشتبه بهم، بينما وُجدت عناصر الشبكة في دبي لتسيير الأموال وتحويل العائدات، وفي فرنسا حيث يقيم شركاء آخرون. أما داخل الجزائر، فكانت الخلايا تتولى عمليات النقل والتخزين، بعد شحنات قادمة من جنوب البلاد. هكذا يتكشّف أن التنظيم لم يكن شبكة محلية، بل كياناً إجرامياً ممتداً من الصحراء الجزائرية إلى الخليج، ومن المغرب إلى أوروبا.

 

خريطة إقليمية للمخدرات… من «إسكوبار الصحراء» إلى ميناء الخمس

 

لم تكن قضية أوت 2026 حدثاً معزولاً، بل حلقة في سلسلة إقليمية تمتد من الجزائر إلى المغرب وليبيا. ففي عام 2018، عُرفت قضية 701 كيلوغراماً من الكوكايين — المحجوزة في ميناء وهران داخل شحنة لحوم مجمّدة — بقضية «الكوكايين» أو «البوشي»، وارتبطت برجل أعمال نافذ وعلاقات مع مسؤولين وشخصيات نافذة، وأثارت نقاشاً واسعاً حول الفساد داخل مؤسسات الدولة.

 

وفي المغرب، ظهرت قضية «إسكوبار الصحراء» كواحدة من أبرز قضايا الجريمة المنظمة، ارتبطت بشبكة دولية يقودها أحمد بن إبراهيم المعروف بلقب «المالي»، وشملت شخصيات سياسية وأمنية ورجال أعمال، وتناولت تهريب كميات كبيرة من المخدرات عبر الحدود. كما أعلنت السلطات المغربية في 2017 عن ضبط 2.4 طن من الكوكايين في عملية وُصفت آنذاك بأنها الأكبر في تاريخ البلاد.

 

أما ليبيا، فقد شهد ميناء الخمس في 2023 عملية حجز 269 كيلوغراماً من الكوكايين كانت مخبأة في حاوية دجاج مجمّد قادم من البرازيل، في واحدة من أكبر عمليات الحجز في تاريخ الجمارك الليبية. وتعكس هذه القضية أهمية ليبيا بوصفها منطقة عبور في شبكات الاتجار العابرة للحدود.

 

وتكشف هذه القضايا عن ثلاثة أبعاد إقليمية متشابكة: بعد اقتصادي تجذب فيه الأرباح الكبيرة شبكات الجريمة المنظمة، وبعد أمني تُستغل فيه الحدود البرية والمواني وشبكات النقل، وبعد سياسي تظهر فيه شبهات علاقات بين بعض شبكات التهريب وشخصيات نافذة — دون أن يعني ذلك بالضرورة تورط مؤسسات الدول نفسها. لكن ما يجمع هذه النماذج هو أن المنطقة لم تعد مجرد سوق للاستهلاك، بل أصبحت ممراً استراتيجياً لتجارة الموت.

 

 

المخدرات كسلاح سياسي… من حروب الأفيون إلى ثورة 2011

 

لم تكن المخدرات في المنطقة مجرد آفة اجتماعية عابرة، بل سلاحاً سياسياً استُخدم لإخضاع الشعوب وإضعاف خصومها. فقد ربطها الاستعمار الغربي بالفلاحة والتجارة، وجعلها احتكاراً ضريبياً في تونس والمغرب، بينما ظلت حروب الأفيون الأولى والثانية (1839–1860) المثال الأبرز على فرض بريطانيا المخدر على الصين بالقوة. وفي أفغانستان، بعد خروج الولايات المتحدة (2021) وحظر طالبان (2022)، تقلّصت زراعة الخشخاش بنسبة 95%، من 233 ألف هكتار إلى 10,800 هكتار، ما يكشف أن الترويج كان مرتبطاً بسلطة الاحتلال، لكن الطلب العالمي انتقل إلى مناطق أخرى.

 

وفي تونس، بعد ثورة 2011، انهارت المنظومة القمعية وانفلتت الحدود خاصة مع ليبيا، فتحولت البلاد من ممر عبور إلى سوق استهلاك. تضاعف استهلاك القنب 2.5 مرة بين 2013 و2017، والإكستاسي سبع مرات، وارتفع تعاطي «الزطلة» بين التلاميذ من 1.5% إلى 8% بين 2016 و2021. ولم يكن ذلك مجرد فوضى أمنية، بل أداة غير مباشرة لاحتواء مطالب الشباب الثائر: وهكذا تحوّل المخدر إلى استبداد جديد، يقتل بالجرعة لا بالرصاص.

 

بيت المخدرات في الملاسين: والوصفة السحرية تأتي من واشنطن

في الثامن والعشرين من سبتمبر 2026، استقبلت وزيرة العدل التونسية ليلى جفال سفير الولايات المتحدة بيل بزي والوفد المرافق له بمقر الوزارة، في لقاء وُصف بأنه «مناسبة لاستعراض عمق علاقات الصداقة والتعاون» وبحث «برامج التعاون في المجالين القانوني والقضائي». وفي التوقيت نفسه، كانت تونس تشتعل: طفلة لم تتجاوز الخامسة عشرة، تُدعى «يقين»، تعرّضت للإحتجاز والاغتصاب الجماعي على مدى يومين في منزل بحي الملاسين الشعبي بالعاصمة، على يد ثمانية أشخاص غالبيتهم قاصرين لم يتجاوزوا العقد الثاني من أعمارهم. بيت المخدرات هذا لم يكن وكراً معزولاً، بل حلقة في سلسلة جعلت من المخدرات وقوداً لجريمة هزّت البلاد، بينما الوفد الأمريكي يتحدث عن «تطوير المنظومة السجنية».

فهل تُصلح أمريكا ما أفسدته أوروبا، وهي التي عجزت عن منع الكحول بين 1920 و1933، فانتهت تجربتها إلى سوق سوداء وجريمة منظمة وفساد مستشرٍ حتى وصف روزفلت الحظر بأنه «فشل  كامل ومأساوي»، ولتُصبح الولايات المتحدة الأمريكية الآن في صدارة القوائم العالمية لاستهلاك المخدرات بأنواعها.

من يريد إصلاح البلاد، فليعلم أن القانون لا يحمله إلا مجتمع مؤمن به، لا وفد عابر يبحث عن نفوذ.

 

من يحمي يقين القادمة…غير الإسلام ؟

يقول سليم باز القانوني المسيحي من لبنان (اعتقد بكل اطمئنان أن في الفقه الإسلامي كل حاجة البشر من عقود ومعاملات واقضيه والتزامات، وليس الشاهد على ذلك ما هو للأنظار، في دار الكتب المصرية، وخزانة الكتب في البلاد الإسلامية فحسب، بل في خزائن دار الكتب الأوروبية أيضا من لندن وهولندة إلى روما وبرلين وباريس والمتحف البريطاني بل إلى المكتبة البابوية في قصر الفاتيكان).

فقد نجحت الدولة الإسلامية في عصر النبوة، نجاحا منقطع النظير في القضاء على آفة المسكرات، فإذا أخذنا بالسياق التاريخي ، فإن تحريم الخمر ومنعه على المسلمين وقع في مجتمع لم تكن فيه الدولة الإسلامية قد تجاوزت سنواتها الأولى. ومع ذلك، استطاعت السلطة إعلان حكم ملزم والاستجابة له بسرعة.

ذلك، لأن التحريم ارتبط بالعقيدة، وحمله العرف الاجتماعي، وفرضته دولة قوية الشرعية، وسندته عقوبات زاجرة وجابرة. لقد كان الخمر محور حياة الجاهلية، ومع ذلك امتنع المجتمع في فترة وجيزة، وأُريقت الخمور في الطرقات، وشمل التحريم كل مسكر، وعمّم المنع على جميع البلاد التي فتحها المسلمون، فالدين الموافق للفطرة لم يستجدِ النموذج الأمريكي، بل صنع نموذجه من مبدئه العادل بل حمله إلى العالم رسالة هدًى ورحمة.

قضية يقين ليست قضية ثمانية مجرمين فقط، بل قضية دولة غائبة، ومجتمع متفكك، ومنظومة حماية منهارة، ومرجعية فوضوية اختلط فيها الحابل بالنابل. والحل ليس عقاباً يشفى الغليل ثم ينسى، ولا بياناً بارداً يترك الجرح ينزف. الحل هو: عدل رادع للجناة، وقصاص للضحية، ووقاية حقيقية قبل الجريمة، تعيد للإنسان حرمته، وللأسرة دورها، وللمدرسة رسالتها، وللدولة رعايتها.

السؤال هنا ليس: «لماذا لا يُنفّذ الإعدام؟» بل: «لماذا نعطّل طاقة الإسلام عن الحكم والتشريع ونحن مسلمون؟» إن لم نجب، فسنبقى ندور في الحلقة نفسها: غضب، إيقافات، نسيان، ثم جريمة جديدة. ويقين ليست أول ضحية، ولا يجب أن تكون آخر من يدفع ثمن دولة متفرجة ومجتمع فقد بوصلته.

 

CATEGORIES
Share This