
من تونس إلى هرمز: ماذا تفعل تركيا تحت المظلة الأمريكية؟
حين استقبل وزير الدفاع التونسي خالد السهيلي، في 16 سبتمبر 2026، قائد الأسطول السادس الأمريكي وقائد قوات الضرب والدعم التابعة لحلف الناتو « الأميرال جيفري أندرسون » والذي قاد حربي العراق وأفغانستان، لم تكن زيارة بهذا الوزن مجرد زيارة بروتوكولية عادية، كما لم يكن البحر المتوسط يشهد مجرد تمرين عسكري روتيني للمرة الخامسة على التوالي. كانت سفن ست دول تتحرك في تشكيل واحد قبالة السواحل التونسية، وهي: فرنسا، إيطاليا، تركيا، تونس، المغرب، والجزائر. وكانت قاعدة حلق الوادي البحرية في تونس، مركز العمليات والعقل المتابع لسيرها، بينما يؤكد بيان رسمي للأسطول السادس الأمريكي نشرته جريدة » هسبريس » المغربية ، أن هذا التمرين يأتي كجزء من بناء شبكة عالمية لقوات الأمن البحري، لتعزيز التعاون والخبرة في عمليات الأمن البحري في جنوب البحر الأبيض المتوسط.
وبينما كانت الولايات المتحدة تقود عبر أسطولها مناورات تجمع دولًا من شمال أفريقيا وأوروبا وتركيا، كانت هذه الدول تتدرب على العمل المشترك في مجال بات أكثر حساسية من أي وقت مضى: أمن البحر، وحماية الممرات التجارية، وتأمين الموانئ، ومراقبة المجال البحري. وقد تحدث الجانب التونسي خلال اللقاء عن تطوير الاستخبارات البحرية، ورفع جاهزية القوات، والاستجابة للتهديدات المتداخلة، بينما أكد قائد الأسطول السادس استمرار دعم القدرات البحرية التونسية.
هنا تكمن دلالة » الفينيق السريع 26″ أو Phoenix Express 2026. فالتمرين، الذي استضافته تونس من 7 إلى 18 سبتمبر، ونسقته القوات البحرية الأمريكية في أوروبا وأفريقيا، بمشاركة 13 دولة في نسخة هذا العام، لا يقوم على استعراض السفن بقدر ما يركز على بناء قابلية تشغيل مشتركة بين بحريات مختلفة. وفي البحر، تتحول هذه الأهداف إلى تدريبات عملية على المناورة والاتصال وتبادل المعلومات، وتنسيق العمليات بين السفن ومراكز القيادة، باستخدام شبكات الاتصال والوسائط الفضائية.
ولم يتوقف الاختبار عند الوحدات الموجودة في البحر، فقد جرى إنشاء مركز عمليات بحري في قاعدة حلق الوادي لتقييم المسار التكتيكي للعملية، ومتابعة التنسيق بين الوحدات المشاركة وتبادل المعلومات، بما يسمح ببناء صورة تشغيلية مشتركة عن الوضع البحري في الوقت الفعلي، مع الاعتماد على تقنيات حديثة، من بينها الطائرات دون طيار والمسيرات المائية، قبل أن يتحول قائد الأسطول السادس الأمريكي بنفسه إلى قاعدة بنزرت الرئيسية يوم 17 سبتمبر 2026، بعد تمهيد للزيارة من الأميرال جورج ويكوف قائد القوات البحرية الأمريكية في أوروبا وإفريقيا، فضلا عن منصبه في قيادة الناتو بنابولي الإيطالية، والذي تحدث عن إنشاء مركز التميز البحري في بنزرت.
وهذا ما يجعل تونس أكثر من مجرد دولة مضيفة. فموقعها في وسط المتوسط يمنحها قيمة استراتيجية لا تستطيع قدراتها الذاتية الحالية وحدها أن تفسرها. فهي تقع عند نقطة التقاء شمال أفريقيا بجنوب أوروبا، وتفتح موانئها ومجالها البحري أمام شبكة أمنية تقودها الولايات المتحدة. لكن المفارقة واضحة: كلما ازدادت أهمية تونس الجغرافية، ظهر حجم الفارق بين وزنها الجغرافي ووزنها العسكري والسياسي، في ظل مرحلة تتسم بالهشاشة.
ومن هنا يبرز السؤال الحقيقي حول موقعها داخل هذه المنظومة: هل تستخدم تونس هذه الشبكة لبناء قدرة محلية وإقليمية أكبر تحررنا من التبعية، أم تتحول تدريجيًا إلى عقدة لوجستية وتنفيذية داخل منظومة أمنية تُرسم أولوياتها في عواصم أقوى منها، فيما تتعرض لضغوط استراتيجية متزايدة من شركائها وخصومها على حد سواء؟
الإجابة نجدها في المشاركة التركية التي تضيف إلى هذه المعادلة طبقة أكثر تعقيدًا. فقد دخلت أنقرة التمرين بفرقاطة TCG Gaziantep، والتي ظهرت في التشكيل البحري إلى جانب سفن تونسية وجزائرية ومغربية وفرنسية وإيطالية. ولم تكن المشاركة التركية رمزية، فقد أعلنت وزارة الدفاع التركية أن وحداتها البحرية تشارك في التدريب على أمن النقل البحري وحماية الموانئ والمنشآت والأمن البحري، فيما ظهر طاقم Gaziantep في تنسيق مباشر مع الفرقاطة المغربية Mohammed V قبل المرحلة البحرية.
واللافت أن الحضور التركي في تونس لم يبدأ مع Phoenix Express. ففي يوليو زارت الفرقاطة TCG Burgazada ميناء حلق الوادي، واستقبل السفير التركي قائدها وطاقمها في السفارة، ثم زار السفينة بنفسه، متحدثًا عن تعزيز التعاون التركي-التونسي، وخاصة في المجال البحري. وبعد أقل من شهرين جاءت Gaziantep للمشاركة في تمرين تقوده الولايات المتحدة. وهكذا تبدو المشاركة التركية جزءًا من حضور بحري ودبلوماسي متكرر وتثبيتا لمحطات من التعاون والتنسيق، لا مجرد مرور سفينة في مناورة عابرة.
وهنا نطرح نفس السؤال حول موقع هذا البلد في الرؤية الأمريكية للمنطقة. فتركيا التي صارت وكيلا إقليميا لأمريكا في كبرى الملفات، تملك من عناصر القوة ما يسمح لها بانتهاج سياسة مستقلة تماما عن المنظومة الغربية: قوة بحرية معتبرة، صناعة دفاعية متطورة، موقع جيوسياسي فريد، والأهم عمق استراتيجي ضمن خير أمة أخرجت للناس عطفا على إرث احتضانها للخلافة العثمانية. ومع ذلك فهي لا تختار مغادرة الأطر التي تقودها واشنطن، بل تدخلها وتعمل من داخلها. فلماذا؟
طبعا أنقرة لا تنظر إلى الاستقلال الاستراتيجي بوصفه قطيعة مع الغرب، وإنما بوصفه قدرة على المناورة داخله من خلال الدوران في فلك أمريكا. فالمشاركة في Phoenix Express تمنح البحرية التركية فرصة للعمل مع بحريات المتوسط وشمال أفريقيا، وتوفر خبرة عملياتية واتصالات وشبكات لا تحصل عليها تركيا بالانعزال عنها، أو هكذا يتهيأ لقادتها. ولكن بهذا المعنى، سيظل الرهان التركي أقل تعلقًا بالخروج من النظام الدولي القائم وأكثر تعلقًا برفع موقع تركيا داخله، مع أن الاستفادة من التجربة الإيرانية تقتضي كسر الطوق والتحرر من الفلك الأمريكي بشكل نهائي، ولا يعتقد عاقل أن تركيا ستجد فرصة ذهبية أكبر من اللحظة السياسية الحرجة التي تعيشها أمريكا اليوم على مستوى دولي.
وبالعودة إلى صورة السفن الست، نجد أن الولايات المتحدة توفر القيادة والإطار، وتونس الجغرافيا والموانئ وفتح الأبواب على مصراعيها، بينما تضيف الجزائر والمغرب عمقًا مغاربيًا تنشده أمريكا، وبينما تحاول أوروبا التواجد بقيادة فرنسية، تدخل تركيا بثقل عسكري يتجاوز وصفها بمجرد «مشارك». والنتيجة شبكة متعددة المستويات تتقاطع فيها المعلومات والقدرات البحرية والمصالح الأمنية التي يحكمها الصراع على النفوذ.
وتضيف FS Acheron الفرنسية بعدًا آخر، باعتبارها سفينة متخصصة في دعم عمليات إزالة الألغام. إذ يوسّع وجودها مفهوم الأمن البحري من حماية السفن ومراقبة السواحل إلى ضمان بقاء الممرات البحرية مفتوحة في حال تعرضها للألغام، وهو تأكيد فرنسي بأن أوروبا لديها القدرة على التعامل مع الأخطار التي تتعلل بها أمريكا للنفاذ إلى المنطقة.
وتزداد أهمية هذه القدرة في سبتمبر 2026، مع تراجع حركة الملاحة في مضيق هرمز وتصاعد المخاوف المرتبطة بسلامة الممرات البحرية والألغام. وهكذا تستغل أمريكا أزمة هرمز لتحقق أمنها البحري في مناطق أخرى وتشرعن تواجدها الدائم فيها.
وبينما تتذرع تونس بالاستفادة من الشبكة لتعزيز قدراتها، تملك تركيا وزنًا استراتيجيًا أكبر يغنيها عن أجندات رأس الكفر أمريكا، لكنها تختار الاستثمار في الحضور داخلها متناسية دعمها للكيان الصهيوني في جرائمه. وبين الحالتين المتشاركتين في الجريمة، يظهر السؤال الأهم: هل تكون هذه الشبكات وسيلة تمنح أمة الإسلام قوة إضافية، أم تتحول مع الوقت إلى بنية تحاصرها وتحدد لها حدود الحركة الممكنة؟
إن هذا التمرين يمثل صورة مصغرة لنظام أوسع تتقاطع فيه القوة الأمريكية، والطموح التركي، والحسابات الأوروبية، والمسايرة التونسية المخجلة لما يدور حولها بل داخل مجالها البحري والبري والجوي، فيما يذكرنا مضيق هرمز بأن أمن البحر يبدأ من القدرة على التحكم في المضائق الاستراتيجية. فهلا اعتبر المخلصون من أهل القوة والمنعة في بلاد الإسلام وتذكروا قوله سبحانه: (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا)؟
