بريكس 2026: مصر تمسك بالتوافق..وتفلت من التاريخ
في قمة بريكس الثامنة عشرة بنيودلهي (12–13 سبتمبر 2026)، لم تكن مصر مجرد عضو جديد انضم قبل عامين، بل تحوّلت إلى «صانع توافق» يمسك بخيوط الصياغة بين أطراف متناقضة: الهند التي تريد بياناً لا يغضب واشنطن ولا طهران، والصين التي تريد نقداً مبطناً لأمريكا من داخل منصة تضم حليفين لها، والإمارات وإيران في آن واحد. وقد نجحت القاهرة في تمرير «إعلان نيودلهي» الذي يدين الحرب الأحادية دون تسمية دولة بعينها، ويدعو إلى ضبط النفس الأقصى، فترضي إيران دون أن تقطع مع أمريكا، وتمنح بكين مكسباً رمزياً دون أن توقّع على قطيعة.
في الإحاطة الصحفية الرسمية لوزارة الخارجية الهندية يوم 12 سبتمبر 2026 في نيودلهي، قال بالنص: « مصر، رغم أنها عضو جديد، كانت مشاركة نشطة وساعدت الهند على بناء التوافق عبر القطاعات. نتطلع لدور أكبر لمصر من حيث تعاوننا القطاعي في مختلف المجالات »
التوافق كقاعدة سلوك دولي.. ضرورة دبلوماسية أم مسوّغ لغياب الفعل؟
لا ينكر متابع حصيف للسياسة الدولية، أن مصر اليوم لم تعد تستطيع حتى حياداً إيجابياً نقياً، فهي مدينة لصندوق النقد (الذي تسيطر عليه أمريكا) وتستورد سلاحها من أمريكا وفرنسا وروسيا والصين في نفس الوقت. لذلك انتقلت من عدم الانحياز إلى تعدد الانحياز، وأداتها الجديدة هي بناء التوافق بدل إعلان الحياد.
التوافق من حيث المبدأ ضروري في العلاقات الدولية، والدولة التي ترفض الحوار وتغلق أبوابها أمام التفاوض قد تدفع ثمناً باهظاً. إذ الحوار الجدّي يقلل تكلفة الصراعات، ويعزز الثقة خاصّة، عندما تثبت الدولة قدرتها على الاستماع والوساطة والوفاء بالاتفاقات. وفي الأزمات الدولية، يصبح وجود جهة توافقية قادرة على منع التصعيد وإيجاد مخارج مرحلية أمر ضروري. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التوافق من أداة سياسية إلى هوية دولة، عندها تظهر مخاطر التنازل المفرط، ومحاولة إرضاء الجميع، وإخفاء الخلافات بدلاً من حلها، وتعطيل القرار، واستغلال القوى الكبرى لخطاب التوافق لإجبار الطرف الأضعف على القبول بالأمر الواقع. وهنا تفقد الدولة ماهيتها السياسية؛ إذ تذوب في بحر من التنازلات، ويصبح مشروعها غامضاً أمام حلفائها وأعدائها على حد سواء.
سياسة التوافق عندما تصبح قاعدة سلوك دائمة، تبدأ الدولة في فقدان قدرتها على الفعل، فتظهر علامات الغرق في مستنقع العجز : غياب القرار، والخوف من خسارة أي طرف حتى يصبح الحفاظ على العلاقات أهم من تحقيق المصالح، ومساواة القوة بالضعف حين يُطلب من الجميع التنازل بالتساوي رغم أن موازين القوى غير متساوية، وتحويل الاختلاف إلى مشكلة شخصية بدلاً من معالجة الأسباب السياسية، وغياب البرنامج البديل، واستنزاف الوقت في اجتماعات وبيانات لا تنتج أدوات تأثير حقيقية، وتجنب المواجهة الضرورية، والاعتماد على النخب بعيداً عن الشارع، وتكرار الاتفاقات الفاشلة، وأخيراً فقدان الثقة الشعبية.
وفي العلاقات الدولية، تعني هذه العلامات أن الدولة تتحول من صانع قرار إلى مدير أزمات، ومن مبادر إلى وسيط، ومن قوة تغيّر إلى طرف يُدار. تفقد لونها الخاص، وطعمها المميز، وتأثيرها المبدئي في الفعل السياسي العالمي. تصبح دولة بلا نكهة، لا تُلهم ولا تُخشى ولا تُتبع. وقد تكون محترمة كجسر للتواصل، لكنها ليست قادرة على إرساء نظام عادل. والعالم اليوم أحوج ما يكون إلى التغيير، إلى دولة ترفع صوت الحق، وتقف مع المظلوم، وترفض الظلم، لا إلى دولة تُغرق نفسها في توافق شكلي يرضي الجميع ولا يغيّر شيئاً. والأمة التي تمتلك البدائل، وتملك الطاقات، وتملك الإرادة، لا يجوز أن تُختزل قضيتها في إدارة التوافق بين النخب. إنها أمة قادرة على صناعة الفعل إذا اعتمدت على طاقاتها وصدقت مع أمتها. فالدائرة المغلقة واضحة: العجز عن التأثير يزيد الحاجة إلى التوافق، والتوافق بديلاً عن بناء القوة يزيد العجز. ولا يخرج من هذه الدائرة إلا من يمتلك الشجاعة لاتخاذ موقف حاسم عندما يصبح التوافق مستحيلاً.
والأخطر أن التوافق قد يتحول إلى غطاء للاستبداد أو أداة لإسكات المعارضة، حين يُرفع شعار « التوافق الدولي » لإلغاء الاختلاف الحقيقي. ولا يقتصر الأمر على الخطر الخارجي، بل يمتد إلى الداخل: فالوسيط الدائم يعيش بين ضغوط الأطراف، وقد يجد نفسه مضطراً للدفاع عن مواقف لا يؤمن بها، فيدفع ثمناً نفسياً وسياسياً باهظاً.
من توافق العجز إلى التأثير السياسي.. نحو نظام عادل رحمة للعالمين
هناك فرق جوهري بين صانع التوافق وصاحب التأثير السياسي، فصانع التوافق يستطيع تقريب وجهات النظر، لكنه لا يملك بالضرورة القدرة على فرض أو تنفيذ القرار. أما صاحب التأثير السياسي فيمتلك قدرة على تحريك الرأي العام استنادًا إلى شرعية قيادية أو شبكة علاقات مؤثرة. لذلك يمكن لشخص أن يكون ممتازاً في جمع المختلفين، لكنه عاجز عن دفعهم إلى اتخاذ موقف أو تنفيذ اتفاق.
الإسلام لا يُقدَّم التوافق بوصفه هدفاً مستقلاً، بل يُوضع ضمن منظومة أوسع تجمع بين تحقيق العدل وحفظ الجماعة، والثبات على الحق. قال تعالى: (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ)، و(وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ). ودرس صلح الحديبية واضح، فالنبي ﷺ لم يكن يبحث عن رضا الجميع، وإنما كان يبحث عن تحقيق الغاية المنشودة مذكّرًا أصحابه « إنِّي رَسولُ اللَّهِ، ولَنْ يُضَيِّعَنِي اللَّهُ أَبَدًا ». النظام العادل الذي جعله الله رحمة للعالمين لا يُبنى بالتنازل عن الحق، ولا بإرضاء الظالمين، ولا بالهروب من المواجهة. إنه يُبنى بدولة تمتلك وضوح الرؤيا، والقدرة على الحوار، والشجاعة لاتخاذ موقف حاسم عند الاقتضاء. هذا الذي ينتج قيادة منسجمة، وبرنامجاً واضحاً، وتوزيعاً للأدوار، وتنظيماً قادراً على العمل، وقاعدة شعبية، وآليات لاتخاذ القرار، وقدرة على الضغط والتفاوض. أما التوافق الذي لا يزيد القدرة على الفعل، فهو مع مرور الوقت معرض لأن يتحول إلى شكل من أشكال العجز. والقاعدة الذهبية: كل توافق لا يزيد القدرة على الفعل، مع مرور الوقت، معرض لأن يتحول إلى شكل من أشكال النفاق السياسي أو العجز السياسي المفتوح.
خلاصة القول،
إنّ مصر الكنانة التي كان لها الدور الفاصل في توحيد الأمة وحمايتها عند الأزمات، والتي تمتلك من المقومات ما يجعلها في قلب النظام العالمي، تختزل اليوم دورها في صياغة بيانات توافقية ترضي الأطراف جميعاً، بينما تعاني من تقهقر وتهديدات لم تعد منفصلة، فكل تهديد خارجي يضرب مباشرة الداخل. الخطر الأكبر ليس خطرًا واحدًا، بل أخطار متزامنة: أزمة مياه مع إثيوبيا، وحرب في السودان، وحصار لقناة السويس، ودور هامشي في سباق تقاسم النفوذ في البحر الأحمر، وحرب في غزة وتهديد بتهجير أهلها، وتعقيدات الملف الليبي، إضافة إلى الدين الخارجي وارتباطه بموافقة واشنطن.
ولكن، في المقابل، تثبت الأمة في خضم الأزمات المتعاقبة قوتها ومكانتها وشدة تأثيرها على العالم، مضائق هرمز والسويس وباب المندب وغيرها شاهدة على امتلاك الأمة لمفاتيح التجارة الدولية، زمن التحولات الكبرى صارت حقيقة سياسية حاضرة في المحافل الدولية، كل هذه المؤشرات تؤكد أن التغيير صار مطلبًا شرعيًا بل ضروريًا للمسلمين بوصفهم أمّة واحدة صاحبة مشروع حضاري ورسالة عالمية، لا مجرد وسيط بين المشاريع.
من هذا الباب فقط تستعيد الأمّة لونها وطعمها وتأثيرها، وتصبح شريكاً في صناعة التاريخ لا مديراً لجموده؛ أما إذا بقيت تغرق في التوافق الشكلي، فستظل وسيطاً بلا مشروع، وصانعة توافق بلا فعل، وأمة تمتلك البدائل لكنها تختار ما يُؤبّد هزيمتها.
