
في ظلّ الشلل العقاري : كيف خسر العالم الإسلامي روحه القانونية؟
لم تكن أزمة العقار ولا قطيعة الرحم في في تونس وفي عديد البلاد الإسلامية، حدثاً معزولاً. إنها النتيجة الأخيرة لمشروع عالمي عمره قرن ونصف، بدأ في باريس ولندن، ووصل إلى القيروان وجربة، ليزرع في أرض إسلامية بذرة غريبة عنها: بذرة الفردانية.
حيث أحلّ الاستعمار الأوروبي نظام الملكية الفردية والشركات محلّ نظم الحيازة في المجتمعات الإسلامية، والتي كانت ترتكز تاريخياً على ‘حق الانتفاع’ والملكيات الجماعية أو ‘المشاع’ المدارَة وفقاً للأعراف والمصلحة المشتركة. هذا التغيير لم يكن مجرّد تبديل نظام قانوني، بل ضرب في عمق التوازن الاجتماعي الذي كان يضبط علاقات الزراعة والرعي والجوار، وهو ما تسبب في تهميش الأعراف المحلية وتفكك آليات إدارة النزاعات التقليدية، ما ساعد على تصاعد النزاعات.
العالم الإسلامي تحت هيمنة الفكر الغربي
بعد سقوط الخلافة العثمانية وتقسيم العالم الإسلامي، لم يكن الاستعمار احتلالاً للأرض فقط، بل كان احتلالاً للعقل. إذ جاء الغرب بمفهوم جديد للحياة يقوم على أن الفرد هو الوحدة، وأن حريته فوق الجماعة، وأن مصلحته فوق الرحم، وأن القانون هو عقد بين أفراد متساوين.
هذا المفهوم نجح في أوروبا لأنه وُلد من تاريخها: من صراعها مع الكنيسة، ومن ثورتها الصناعية، ومن مدنها الكبيرة حيث لا يعرف الجار جاره.
لكنه عندما نُقل إلى العالم الإسلامي، كان نقلاً لعضو لا يتوافق مع الجسد. فالمجتمع الإسلامي لا يقوم على الفرد، بل يقوم على الأمة، وعلى العائلة، وعلى الحومة، وعلى الأخوّة. يقول القرآن: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، ويقول النبي: « مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد ».
الغرب يقول: « حقك أنت أولاً ». و الإسلام يقول: « حق الله وحق الجماعة قبل حقك ».
عندما قبل المسلمون فكرة الفردانية، قبلوا فكرة مغايرة لنظرتهم عن الحياة. صار المسلم يرى نفسه مواطناً مستقلاً يبحث عن مصلحته، لا عضواً في جسد يبحث عن صلاحه. النتيجة بعد قرن ونصف: عقم شامل. قانون لا يصلح، ومجتمع لا يثق، وأسرة تتفكك، وأرض تُباع، ورحم يُقطع.
تونس مختبراً مثالياً لموجة الحداثة
الاستعمار الفرنسي (1881-1956): فرض قانوناً مدنياً فرنسياً، ودفتر خانة، ومحكمة لا تعرف العرف. كانت الأرض تُقسم بالشهود وبالكلمة، فصارت لا تُعترف بها إلا بورقة مسجلة. من لا يسجل يخسر. ومن يسجل يدخل في منظومة لا يفهمها. كان هذا أول طمس: طمس العرف الشرعي لصالح القانون الوضعي.
بورقيبة (1956-1987): أكمل المشروع بثوب وطني. أراد بناء دولة حديثة، فاعتبر كل سلطة تقليدية عقبة. مجلة الأحوال الشخصية 1956 سحبت من الزوج والشيخ صلاحية الزواج والطلاق والميراث. الإعلام الرسمي صوّر الشيخ على أنه « الحاج كلوف »، المتخلف الذي يعيق التقدم. كانت النتيجة تحريراً للمرأة والطفل من جهة، وتدميراً للأسرة نواة المجتمع. الدولة أخذت كل السلطات لنفسها، ثم لم تستطع ممارستها برأفة العائلة وحرصها.
بن علي (1987-2011): حوّل القانون إلى أداة للسيطرة والفساد. صارت الأرض تُنهب بالرخص، وتُسجل بالرشوة، وتُباع بالمحسوبية. المتقاضي لم يعد يخاف من المحكمة فقط، بل صار يخاف أن يذهب إليها فيخسر مرتين: مرة لخصمه، ومرة للنظام. فصارت الناس تفضل الصمت على التقاضي، والتحايل على القانون، وأخذ الحق بالقوة ليلاً.
ما بعد 2011: سقط النظام، لكن الفكر بقي. جاءت موجة جديدة، لكنها جاءت بنفس الفردانية: « أنا حر، أفعل ما أشاء ». لم يُعاد الاعتبار للجماعة، بل تُركت بلا بديل. فصارت تعيش في فراغ: لا دولة قوية، ولا شيخ قوي، ولا أب قوي. والنتيجة: انفجار النزاعات العقارية، وبناء عشوائي، وبيع أراضٍ للأجانب، وقطع رحم لم يسبق له مثيل.
صراع « الورقة » المقدسة مع « الحجة الحية »
الأزمة العقارية اليوم ليست أزمة أوراق، بل أزمة فعالية في إرجاع الحقوق لأصحابها. خذ أمثلة واقعية:
نظام إثبات الملكية في ظل الفقه المالكي الذي ساد المنطقة المغاربية بصرامة،كان يعتمد على البساطة والسرعة والروابط الاجتماعية الوثيقة؛ حيث كانت « الحجج العدلية » المكتوبة تُحفظ محلياً، ويُستعان عند غيابها بـ »الحوز والتصرف الواقعي » وشهادة الجيران الثقات (اللفيف) أمام القاضي لفض النزاعات في أيام معدودة.
هذا التناغم انكسر مع دخول الاستعمار الفرنسي الذي فرض نظام « التحفيظ العقاري » (دفتر الخانة) بهدف تحويل الأرض إلى سلعة استثمارية رأسمالية.
فرغم دقة هذا النظام الحديث هندسياً وقانونياً، إلا أنه خلق فجوة عميقة و »نظاماً هجيناً » قسّم العقارات إلى مسجلة وغير مسجلة، مما فتح الباب لبيروقراطية معقدة وتداخل في القوانين عجز الإنسان البسيط عن استيعابها. هذا الإرث الاستعماري هو السبب المباشر في « الفوضى العقارية العارمة » والنزاعات المستعصية التي يعيشها الواقع التونسي اليوم.
فرغم أن القانون التونسي الحالي لا يزال يعتمد على « شهادة الشهود » في إثبات « الحوز والتصرف » بالعقارات غير المسجلة، إلا أن هذه الآلية باتت « دون جدوى » وضاعت هيبتها لسببين خطيرين: أولهما انخرام النظام التشريعيي وتفكك الروابط الاجتماعية والوازع الديني ، مما جعل شهادات الزور التي تُعدّ في الإسلام من أكبر الكبائر وتعدل الشرك بالله صارت تُعطى مجاملة بلا رادع ولا واعز. وثانيهما، طول أمد التقاضي وتعدد الإجراءات في المحاكم الذي يشجع « مافيا العقارات » والمعتدين على استغلال بطء العدالة لفرض سياسة الأمر الواقع والاستيلاء على أراضي الغير (خاصة أراضي المهاجرين أو الورثة المشتتين)، وهو ما حوّل آلية الشهود من وسيلة لحفظ الحقوق إلى غطاء قانوني لتكريس التجاوزات والاعتداءات .
من القاضي القريب إلى القاضي الغريب
قوله تعالى ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا﴾ ما زال محفورا في وجدان المسلم، لأنّه ليست خاصا بالطلاق، بل هي قاعدة عامة للتحكيم في كل النزاعات.
في صدر الإسلام، لم يكن التقاضي عيباً، بل كان شرفاً. وإن كان يُلتجأ إليه في المرحلة الأخيرة، لكنها مرحلة شرعية ومحترمة. فقد كان عمر بن الخطاب يتقاضى أمام القاضي شريح، وكان علي بن أبي طالب يقف أمام خصمه اليهودي ويرضى بالحكم ضده. كان القاضي من أهل الحومة، يعرف النخلة المختلف عليها، ويصلي خلف المحكوم عليه في نفس الصف.
أما اليوم، فقد صار الحكم بارداً لا يعرف تاريخ العائلتين، ولا يعرف أن الأرض موضوع النزاع كانت تُسقى بالنوبة، وتُقسم بالكلمة، وتحفظ بالشهود. نتيجة ذلك، صار اللجوء إلى المحكمة في نظر المجتمع مرادفاً للقطيعة الدائمة. فالناس، التي تحسب أن الخصم ستراه غداً في الفجر، وبعد غد في السوق، وبعد عام في العرس والجنازة، تفضل التنازل الجزئي على الربح الكلي، لأن رأس المال الاجتماعي أغلى من المال نفسه.
ختامًا،
لقد أثبت قرن ونصف من الفردانية الغربية فشلها في العالم الإسلامي. فشلت لأنها أرادت أن تجعل من المسلم فرداً، والمسلم خُلق ليكون أخاً.
حين تتحول القوانين إلى مجرد أدوات لمصلحة الدولة، تفقد روحها. القاضي في العالم الإسلامي اليوم محاصر بآلاف الملفات، يطبق نصوصاً جامدة فتحولت المحكمة إلى مصنع لتوليد الأحكام البطيئة، بدلاً من أن تكون مكاناً للفصل السريع في الحقوق.
العدالة لن تشفى بقانون جديد يُطبع على ورق، بل عندما يعود الناس إلى الإيمان بأن العدل عبادة، وأنّ تغييب أحكام الإسلام هو أصل كل بلاء نعيشه، وإذا كانت اتونس قد صمدت قروناً أمام كل هذه الموجات، فإنها قادرة اليوم أن تكون النموذج الذي يعيد للأمة الإسلامية كلها ثقتها بأن أحكامها ليست ماضياً، بل هي مستقبلها الوحيد للعدل الذي لا يقطع الرحم.
